.gif) | |
| |
تاريخ التسجيل : 04 - 06 - 2007
| | | | | | | | | | | المستوى : | | | | |
| المنتدى :
:: منتدى القصص والروايات :: سأضحك ملء الحزن ( رواية ) سأضحك ملء الحزن صباح الضامن المقدمة : ليت أن القلم سباته في تواصل مع أناملي , وليت أني أضحك على غفوة منه في كل توسد لفكرة حتى يرتاح .
وليت أني خلف السطور أختبيء حتى لا يراني حزني المسفوك على طرقات أيامي .
وليت وليت ..
أني أولد ألف مرة قبل أن أرى بكائي ضحكاً وضحكي بكاء .
فقد عشت
لأضحك ملء الحزن
على شبه حياة .......... إهداء إلى حامل القلم
و إلى من يتنفس أثير الكلام فيغدو عليه السحاب فينديه فيطل طللاً
وإلى كل من يحسو من ماء الكلم ويخاف نضوباً .
إلى الذي يضحك ملء الحزن على حروف تخنق ..
ويحزن ملء الضحك على غلالات شرنقية النسيج بأيد تمسك المبضع للحرف فتذبحه فلا يخرج فراشاً مبثوثا .
إليهم ........
بعضاً من ضحكات .........بملء الحزن .
إلى كل الأدباء .......... مع التحية (1)
صباح ينذر بمطر شديد أو ثلج كثيف بالرغم من ممارسة الشمس لعبة الاختفاء والظهور مع عيون أهل البلدة الكبيرة المليئة بكل التناقضات . و الجو في هذا اليوم يشك في ثباته , فها هي الشمس تطل تارة لتقنع ذوي الأعمال الحرة أن اسعوا بلا خوف من تبلل بضاعتكم الرخيصة . وتغريهم بتخطي حاجز التوجس لتضحك عليهم باختفاء وراء جيش قاس من سهام الريح النافذة إلى مخ عظمهم حاملة تلك الريح بهبوبها غطاء سماوياً كثيف الاسوداد . فيرتدوا متوجسين تعزز خوفهم غيمة سوداء تكشر عن نابها الأسود لتبدي قليلا من خداع شمس فيضيع توازن التوقع بيوم ماطر .
تلك هي بلدة يحيى العمر ..تقبع منسية في أطراف تاريخ وجغرافيا الوطن المليء بركامات الفقر والثراء . تراك تبصر بعين الحب اخضرار واحاتها الفتية فتهفو النفس لامتداد فكر يشبع من خيرها لتصدمك بأكوام القمامة حول برميل البلدية ( برميل النظافة ) .
تسير عالي الرأس تنظر لشموخ أبنيتها البنكية التجارية حتى تخال انك بطولها الممشوق المتلأليء مساحات في قلبك المحب لوطنك . فما أن ترخي أعنة جيادك الجامحة حباً لها حتى ترمد من مشهد متسولة عجوز ترتجف برداً من برودة زجاج الشواهق .
تلك هي بلدة يحيى العمر .. وفي زاوية محشورة غربها بيته الصغير بعمارة قديمة من إسكانات الدولة الكبيرة . بيت لا تشرق عليه شمس ولا تغزوه ريح دفيئة شرقية فهو القابع غرباً فكيف يشرق وتشرق .
وهو ككل من حوله يمارس لعبة التردد في الخروج اليوم فما يمنعه ليس ذاك المطر المتواري يتصيد المغامرين , ولا ذاك الثلج الذي يقف على قمة جبال البلدة ينتظر أول ضحية فينقض عليها . بل ذاك الحذاء..!!
نعم إنه الحذاء البالي الذي بات يحكي خطايا إسفلت البلدة الخشن وحجارة الجبل الغربي لما كان يحيى يتساقط من عليه . هو وكل ما سمحت له رجله من حمل لصغير الحجارة يدكها نزولاً سريعاً سريعاً ليلحق بحافلة العمل .
ذاك ما كان يؤرق يحيى ويحجمه عن المضي لعمله .... هز رأسه بتبلد اللامبالاة , وتأبط ملفه الأخضر القديم مصفراً في زواياه كورقة في أول الخريف, وتوكل على الله ليخرج رافعاً ياقة معطفه الجلدي القديم لأذنيه وما أن هم بالخروج ............... حتى سمع رعداً . (2)
قصف .......وجلبة عالية ........ يا إلهي ابتدأ الجو بالسوء .
عاد يحيى لنافذة الصالة ليزيح ستارتها القديمة المهترئة فينظر , وعجباً!!
لا مطر !! حقا لا يرى الشمس ولكن ....لا مطر , أرعد دون مطر ؟! ربما يحصل هذا
زوى شفتيه واستدار ليخرج .
صوت الجلبة يخف قليلا ثم يعود قريباً منه , يبدو أنه قد توهم , لا..لا يمكن أن يكون واهماً فقد سمع صوتاً رهيباً كأنه الرعد .
هز رأسه فلا وقت فالحافلة على وشك الوصول , وإذا لم يلحقها فلن يسعفه حذاؤه البالي في الوصول إلى الدائرة إلا متأخراً .
آآه ويل قلبك يا يحيى من عبارات رئيسك الفاتنة أقل عبارة:-
- تحت الخط الأحمر يحيى ...تحت الخط الأحمر تُوقع متأأأأأأأأأأأأأأأأخر !!!!!
وسارع حتى لا يسمع صوت صفير الرئيس الصحراوي ولكن الصوت لا زال يقرع
في طبلة أذنيه .
ويقترب ويقترب ليقفز من هوله :-
- ويحك يحيى أما زلت هنا !!!!
آه ! ما أغباك يا يحيى ألم تتعود على رعودها بعد ؟ لو أن القلم بيدك الآن لوصفت حالتها بقطعة نثرية تهز رواق النادي ,
وسيضحك الجميع ........ليتخدر يحيى من كلمات الإعجاب من رفاقه :-
- رائع يحيى ...رائع ...كم تتقن رسم القذائف الكلامية في وجه زوجتك الورقي حتى يخيل أننا نرى ألوان الضربات كمساحيق من نوع غال الثمن لاتزول بسرعة .
ويبتسم يحيى للفكرة لتستيقظ ابتسامته على صوتها الرعدي , أجش هذه المرة من شدة الصراخ :-
- لم لا زلت هنا يحيى ؟؟؟ وما يهمك أنت ...ما يهمك لو خصموا عليك أنا من سيحتمل الخسارة أنا وأولادك
مايهمك أنت يا ........ وانطلقت كأنها إعصار
آخر ما سمعه يحيى كان :
- شتاء قاس ..مدفأة باردة .. ثلاجة بلا طعام ..وجوه أولادك الصفراء كأوراقك الأدبية يا
يا ....... يا يحيى خذ ورقك , خذ ملفك وسارع خطوك فالرعد فوقك وخلفك
سيحتمل حذاؤك هذه المرة سيحتمل
رغم أنفه .......
وينطلق يحيى نزولاً والقلب يسارع الدق مع أول طرقات المطر على معطفه الجلدي البالي ويضمه باحثاً عن دفء رحيم .
وتبدأ سيول الماء مع حصيات صغيرة تتعاون لا توقف مدها على قدميه الغارقتين بوحل دنياه ......ويختفي في آخر مقعد في الحافلة ليراقب المطر في داخله منساباً ببرودة حياة ,وينظر إلى ملفه الأخضر المحمي داخل معطفه الجلدي
- أنت أحسن حظاً مني أيها الملف
ويغمض عينيه يكتب في الهواء ما سيأتي ..
(3)
عند بوابة الدائرة الكبيرة وزرافات الموظفين الكادحين تتكتل أمام بائع الكعك ورائحة المطر والطين تبتلع أية رائحة , سارع يحيى حتى لا يكون تحت الخط الأحمر.
وتوحد مع مقعده الصغير على مكتبه الأصغر .
كان تلاحق المعاملات يقتحم سكون نفسه الخارجية بعبارات التشكي للروتين فتشوش ذهنه .
في كل مرة يقدم يحيى إلى مكتبه ويبدأ العمل يكون بجواره ملفه الأخضر بزواياه الصفراء
يخضع خاطراته فيه لتكون أسيرته فلا تفر مع صفير وزفير من حوله , ويدلي بإبداعه فذاك زاده .
ابتسم بمرارة لرائحة الكعك في الغرفة وللمتحلقين حول صحن الفول والحمص والبصل والفجل .وابتسم ثانية لمن أشار له بمشاركة الغزو فالمواد الإستهلاكية باتت تئن من الفقدان .
ورفض والخوف داخله من أن يعتبروه كالعادة خارج سربهم الغنائي ذي الأصوات غير المتناغمة من مضغ وقصف لصحون وشفط لأكواب الشاي المحمرة جنوناً.
آآآآآآآه حتى ممارسات كهذه في نفسه غير متزنة .
مابالك تبتسم لهم وداخلك كأنه قبر تحفره وتحفره ترمي به نفايات كهذه !!!
يقتحمون خلوتك المشمسة بإشراقات بهذه الرائحة التي تزكم أنف قلمك فيسعل على الورق متأثراً فلا يأت إلا بسخرية . وحتى بسمتك لهم صفراء تسعل ممروضة .
وكيف لاندفاقاتك أن تحيى هنا يا يحيى ؟؟ وكيف تبدع خطاب المشاعر الملونة طيفاً ورأسك مندس بينهم لترى انتهاء معمعة المضغ والضحك السخيف ؟؟
ومن بعيد هناك ..كان المراجعون من كل حدب ينسلون ينفضون رشات المطر من على معاطفهم على سلم الدائرة , فتخرج القطرات على أوراق ثمينة من أيام مراجعات مضنية
ويصيح من معاناتهم داخلاً ..داخلاً لا يخرج منك صوت واحد ...إياك ....حتى لا تعتبر محرضا ًعلى خمودهم . فاصمت في ورقك واصمت في خلوتك ,
ولا تنس وأنت تدفن ما ترى أن تكفنه جيدا ً,
ثم ابتسم فقد نجحت نجاحاً باهراً أن تكون كذاك الثلج المساقط علواً وعجباً أنت تساقط وأنت أسفل فكيف تقارن بمن يهطل من عل ٍ!
ادفن يحيى رأسك الكبير المثقل فكراً على ورقك فهناك الملاذ , ولا تكتب إلا حلماً مخدراً من وراء زجاج رؤيتك حتى لا يكون إلا ضبابيا لا يفهم .
واسترئف النسيم يحيى ... استرئفه وخذه في قلبك المتعلق بجمال عنقائي , وأعلن عنه في حروفك تأتي متهادية تقبل الورق الماثل في قلب قرائك فتغفو أمراضهم لحيظات المعانقة
وتولد لك من كل رحم مؤنسة قبلة وليدة تعشق النوم والسكوت .
فتتخدر فتنسى
أنك يحيى العمر
الموظف المطحون.. دنياك ورق وطعامك ليس ورقاً .. (4)
ساعات العمل المملة كان يقطعها بعض الحادثات الصغيرة .
كل ما كان يتمناه يحيى ألا يناقشوه في الأدب .
ثلاثة من رفاقه في الغرفة يعرفون عن الأدب كمعرفتهم عن سعر السكر والأرز في الجمعية التعاونية وعن ستار أكاديمي وآخر أغنيات السوق الهابطة .
إلا رجا ..
زميله الذي نقل من الدائرة لمشادة بينه وبين الرئيس المغيب عن كل تقدم فكري .
رجا المشاغب المتألق لا يعجب يحيى كثرة صراخه ومشاغبته ولكنه يشتاق لجلساته . وعلت سحابة وجهه لما استدعى آخر حوار بينهما قبل يومين :-
- أنت كضفدع الماء يا رجا .
- ولم كالضفدع ؟
- أرى الضفدع المائي لا فائدة ترجى منه يكثر من النقيق ولا يفيد أحداً .
- ومن أين جمعت معلوماتك البحرية يا أديب ؟
- أتسخر مني ؟
- لا معاذ الله ! فأنت ربان ما وراء البحار, وقائد سفين الكلم الطيب بلا نقيق , ورائد الخيال المجنح المخدر الغائب عن معارك النضال في دنيا ........
- كفى كفى أهذه نظرتك في ؟؟
- أنا أعلم يا صديقي أنك أديب راقي المنحى , عالي اللغة , لك القدرة الهائلة في تطويع اللفظ , سرمدي الوصال مع القمر, سامق العلو مع الوسن, مسافر بريبعك عن أرض لسماء, ملاح بسفينة فمرساتك قلم وصواريك رق وحلمك لؤلؤي مدفون بصدف هارب يوشوشك لما تصم القلب عن رعود خلفك ..و..
- وكفى ....حالم إذا أنا بعيد عنكم قريب من خرافات الوهم !
- صديقي أنت فهل أقفز من سور المجاملات لأرمي بقنبلة عبر حدودك حتى أجرح فيك النوم فتستيقظ ؟
- أمغيب أنا عن الواقع إلى هذا الحد ؟
- بل نائم هارب ....
- جديدة هذه النظرة
- قديمة كقدم قلمك .
لم يكملا الحوار فقد صدأت نفس يحيى فجأة لسماعه رأي رجا غير المتوقع .
تمنى يحيى أن يكون صديقه رجا الآن معه فالرعود تطرق الدائرة وتناثر الثلج الأبيض يراكم على نفس يحيى ثقلاً هائلاً , وكأن كل سقطة هي في نفسه فالدفء خارجاً وداخلاً لايسعف فما ران قد ران وأمامه مشوار اليوم العائد حيث..
رعود بشرية من زوجته , ووجوه نتاج عمره المصفر تنتظر جيوبه الثلجية لعل الربيع أسفلها يأت بفاكهة مثمرة أو جذوة من نار ..
وفي طريق العودة والحافلة تثاقل أرضاً بين بدايات الثلوج يتقدم أبو علي من يحيى ويجلس جواره بأعطافه المكتنزة التي تخفي المقعد وراءها , ولا تخفي نظرة مختلسة ليحيى تنم عن افتتاح جلسة من الحوار . (5)
رغم أن يحيى طويل القامة إلا أنه رأى نفسه جد ضئيلا أمام هذا المد اللحمي الضخم من أبي علي .
أبو علي .. مدير الأرشيف
شخصية جامدة كورق الأرشيف المرصوص المغبر . سطر هو بين السطور المقروءة غير المحبوبة لدى يحيى .
كل ما يعرفه يحيى عن أبي علي أن له ابنة من زوجته المتوفاة حديثاً , صبية في الثانوية وهذا كل ما يعرفه . ولا يدري لم لا يحبه ! ألأنه يعرف تاريخ عمله فهو سيد قابض على كل حكايا الدائرة !
أيكره يحيى أن يكون مكشوفا لغيره ؟!!
ربما ......
ويميل أبو علي على يحيى مفتتحاً حواراً ثلجياً :
- الجو بارد جداً ..
هز يحيى رأسه مؤيداً دون حروف من صانع الكلم .
- فصل الشتاء ضيق على الجميع رغم أنه فرج في نهايته .
وهز يحيى مرة أخرى موافقاً على بديهية الرجل وكأنه يعلن صراخاً مكبوتا أن قل ما عندك يا جاري فقد مللت .
- أود أن أحادثك بأمر يا يحيى .
- تفضل قالها يحيى متنفساً نافثاً زفيراً بارداً ثقيلاً .
- لي ابنة في الثانوية وهي في القسم الأدبي وبحاجة لمدرس خصوصي لها لتجتاز الامتحان فهل ترضى أن تعطيها الدروس بعد المغرب ..ما رأيك ؟؟
لم يدر يحيى بم يجيب وتلعثم ...
- ربما لا بأس لم لا ؟
- سأعطيك مبلغاً من المال على وقتك هل نبدأ اليوم ؟
هز يحيى رأسه .
لم يسأله كم ستعطيني
لم يسأله كم درساً تريد لم يسأله أين بيته ؟
فقط تذكر أولاده ووافق رأساً .
- هناك بيتي , اقتحم أبو علي صمت الأديب يحيى وأشار له سأنتظرك اليوم بعد صلاة المغرب , اتفقنا ؟
- اتفقنا , وصافحه ونزل من الحافلة مع عاصفة من الهواء البارد أثارها سكنت وجدان يحيى أشعلت فيه توقا مناقضاً لكل ما حوله ,
توقاً أن يحضن طفلته الصغيرة ويضع جديلتيها بين يديه ويقول لها :
- من أجلك يا ريما من أجلك فقط .........
وعند سفح الجبل الغربي وقف الباعة رغم الثلج الهطال يصرخون فأدموا نقاء التواجد الأبيض برغباتهم الحرى للبيع ليعودوا بدفء ليوتهم وقليل من عيش .
ويحبس يحيى مداد دمعه عنوة في ملفه الأخضر يقبض عليه دون أن يريقه فلا وقت لديه . (6)
لا طعام في الثلاجة ...ولا دفء في المدفأة
وجوه أولادك صفراء كورقك الأصفر.
ضجت كلماتها في أذنه تصر على أن تخوض في نفسه معركة حزن وترددت قدماه في الإسراع ليمر على بقالة جاره خليفة
ويتوقف !
هل سيقبل أن يعطيني اليوم بالدين أم سيزوي شفته الغليظة تذمراً ؟
وجمع يديه واضعاً جدائل ريما بينهما لتراق الدمعة على ذهبيتهما
فتقول :
- من أجلك يا ريما ..
ومن أجل ريما كانت النفس تذوب أمام خليفة وهي تحمل أكياس العدس والأرز والخبز والسكر .
ولتصمت زوجته قليلاً فيتركها مع إعداد طبق الأرز بالعدس الشهير ..
وعند بوابة قلبه وقفت الصغيرة ريما تطرق دفء الأب الحاني .
- آه كم تقت لك يا حلوة المذاق ويضمها يحيى , وتحيط بذراعيها النحيلتين رقبته قائلة :
- أبي ..
- نعم يا حلوة المذاق .
- لم لا تحضر لي الحلوى ؟
- سأفعل إن شاء الله
- وأريد ثوبا ً أيضا .
- سأفعل يا ريما .
وتوشوشه مقرقرة :
- أبي لقد زارنا خالي سعيد اليوم
خالي يقول لأمي قولي لزوجك أن يبيع قصصه . لم لا تبيعها يا أبي وتحضر لي الحلوى ؟
وابتسم يحيى .
تلك الابتسامة التي تزعج رجا فيصرخ دوما قائلاً :
- كم أكره أن يكون خاتمة حوارنا ابتسامتك هذه .
- لم ؟ بم توحي لك ؟
- مريرة هي أو ربما لتقول لي وما الحيلة ؟؟
فأنا لا أحب السكون ولا التقنع وراء ابتسام حزين ولا شعور العوز المسرف الذي يلف كينونة الرجال .
- ماذا تحب إذاً ... الصراخ ... العويل .. السرقة ...او بيع ال...؟
- أكمل بيع ماذا ؟؟ ماذا نبيع نحن الرجال في زمن قهر الرجال إننا في سوق شرس وعلى أبواب حكمة ضالة نقرض بأسنانا الضعيفة خشبية الحياة لندلف إلى غرفها ونعيش .
- أفئران نحن ؟
- بل نحن لدينا بضاعة لا نحسن عرضها .
- ماذا تعني ؟
- أنت تعرف ما أعني .
وخرج من صمته بقبلة من حلوة المذاق ريما تهزه فيها تسأله :
- هل ستبيع أبي قصصك لتحضر لي ........
ولم تكمل فالرعد على الباب يعلن وقت غذاء لم يسدد ثمنه . (7)
و كأن الثلج لم يقنع يحيى بأن الخروج للنادي مستحيل هذا العصر ,
ولا حتى حذاءه البالي أقنعه وهو يضرب دنياه بسخرية من كل مانع يمنع تواجده في نادي الأدباء.
هروب من كل شيء ليرمي نفسه في المكتبة ويغرق رأسه في الأجنحة المتكسرة وحلم خريف وسقوط عرش الكلام .
ومرة هي الأيام يا شعر القوافي
وحلوة هي العبارات يا خدر الجمل القمرية المشبعة أدباً المحلقة بعيداً عن تساكب مطر وتناحبه خارجا .
ستغفين يا نفس مع أحلامك قليلا ولا تستيقظي واقرأي سطر الحبور في لوعة عناق لما وراء الواقع .
وأمسك يحيى بقلمه ليبدأ في تحليق يكتب قصة بيع
بيع ماذا ؟ ماذا يريدون أن أبيع ؟
هز قلمه غاضباً ورمى به بعيداً ليعود بين يدي رجا :-
- ها هو ضحية سخطك رأيته فخشيت أن يرفع عليك قضية وأنت لا تملك في جيبك أجرة المحامي .
- ولا أملك أيضا ثمن الحلوى لريما ولا الثوب الذي تحلم به ولا جذوة نار لمدفأة ولا حياة ليوم لا مع القلم ولا بدونه .
- بل مع القلم تجد .
- كيف يا صاحبي الضفدع ؟
سأطلق النقيق عليك ولن يكون بلا فائدة , بع قصصك يا رجل .
- لمن ؟ دور النشر ترفض نشرها .
- صاحب تلك الدار أديباً كبيراً قرأها
قال لي :
- ويحك يحيى ما هذا الفكر الرائع
ويحك يحيى قرأت وقرأت حد الرواء أدباً من قلمك
ويحك يحيى لم لا تكتب دائماً فأنت محلق في سماءات الأدب
ولما طلبت منه نشرإنتاجي
قام ومشى وقعد ثم أدبر ثم أسفر ثم قام ثم قعد ثم قال وقد اختلطت دماء الحماسة ببرودة كلماته فأطفأت نبرته حتى لخلته قادماً من يوم لم يكن تاريخاً بل لعنة على كل قلم حملته
- ماذا قال ؟
وضحك يحيى
ضحك وضحك وقال لرجا :
- أرأيت ؟ أنا لم أبتسم بل ضحكت يا صديقي المشاغب ضحكت وسأقوم للرقص أيضاً .
- كفاك يحيى وقل ماذا قال لك ؟
- قال :
إسمع أيها الأديب العبقري , أدبك لا سوق له . (8)
وعند مدفأة النادي المشتعلة وألسنة النار تحاول أن تلتهم برودة الحزن القابعة في قلبي الصديقين قال يحيى :
- أرأيت يا صديقي أدبي لا سوق له ؟
- ألم تناقش نفسك العلية لم ؟
ونظر يحيى لرجا لائماً :
- هل أنا المسؤول عن هبوط الأذواق يا أخي؟؟
هل أنا المسؤول عن تردي الأوضاع وضيق الأحوال الاقتصادية فمن سيقرأ أدباً وبطنه خاو.
- من يحادثه الأدب , من يقول له الأدب أنا معك , من يعرض له الأدب مرآة تعكس سفن خلاص في بحر واقع لا سحابات خيال .
- من أراد أن يحادثه الأدب فقد استطاع أن يشتري الكتاب .
ومن استطاع أن يشتري يذهب لخليفة بقروشه الضعيفة يكتب
في أكياس ورقية قصة جوع طفلة أو شحوب أم .
- كم تختزل الدنيا بهذا يا صديقي أو بدار نشر واحدة ؟ تحرك يا رجل .
- يا رجا تحركت .. ولكنهم يريدون كتباً وفكراً مثل الرقص في النوادي الرخيصة أتعلم قبل أيام قال لي أحد الناشرين , نكرة في عالم النشر ولا أدري من أين انبثق ؟
- ماذا قال ؟
- قال لي : يا أديب يحيى علمت انك أديب تكتب حكايات , تخيل هذا ؟؟ حكايات !! فقلت له نعم وابتسمت
- آه ابتسامتك الشهيرة
- كان يحتاجها
- أكمل
- قال لي سآخذ بعض حكاياتك أنشرها ولكن قبل ذلك سأعطيها لمنتج سينمائي .
- ماذا ؟ جيد هكذا تنتشر أكثر..
- ولكن ...
- ماذا ؟؟
- أريدك أن تضع بعض المشاهد العاطفية وقليلاً من القبلات وقليلاً من المشاهد في الملاهي الليلية وسنحضر أفضل راقصة على وجه الأرض وسترى يا يحيى ستصبح من ذوي الثروات ..ما رأيك لقد وافقت يا رجا !
- سأخنقك لو فعلت .
- وقال لي : خفف يحيى من نبرتك العالية , خفف من هذه الألفاظ التي لا يفهمها إلا أنت , خفف من نقدك اللاذع لأحوال الناس وال.........
خفف يحيى ..خفف تثقل جيوبك
هذا هو البيع الذي عرض علي فلم لا أبيع ؟!!
- لم لا تبيع فعلا يا يحيى؟ بع وكن من أصحاب الثروة واشتر لابنتك الحلوى والثوب ولكن تذكر أنها نقود مرة أو ..
- قذرة أليس هذا هو البيع الذي تريدون أن ألجأ له؟
- من أوحى لك يحيى بهذا أو كل الناس على شاكلة هذا الرجل ؟ إسمع لقد أتيتك اليوم ومعي مفتاح ذهبي .
- نعم كجدائل ريما حلوة المذاق ..
- نعم كجدائلها ..فاستمع لي يا صديقي الحالم الساخر . (9)
وماذا سيسمع يحيى ..؟
كل ما كان يهمه أن يرى أدبه ينتشر , لقد تعرض كثيراً لنقد النقاد بسبب غموض بعض عباراته وعن إيغاله حينا بالرمزية وحتى أن بعضاً قد اتهمه بأنه يعيش في برج عاجي .
وتعدى نقدهم إلى تجريحه بأن اتهموا أدبه بترف خيال , وترف قلم فالفائدة المرجوة منه قطع الوقت ولإثراء اللغة بزخم الصور والتشابيه .
لم يكن نقداً منصفا في كل إنتاجه . لربما الآن نعم ولكن سابقا كان يحمل هماً دفيناً يسقيه من
حاضر مؤلم يتخبط فيه الكل , فانعكس أدبه إلى تصوير مر للواقع المتردي من فقر وانحلال واغتصاب للحقوق وضياع الهوية بأسلوبه غير المباشر و أحياناً بقلمه الساخر الذي أزعج الكثير.
و لم يعرف يحيى فك طلاسم النفوذ والنفاذ إلى معقل ليس بقدرته التنازل عند أبوابه .
فجنحوا إلى رفض كل ما يكتب حتى لا يصطدموا مع من يعطي رخصة العيش ..
فأسكن فكره غياهب أدراجه حتى لا يحرم حلوة المذاق أبسط أنواع العيش الذي يؤمنه لها هي وأخوتها وقبع يحلم .
ليس بقدرة يحيى أن يعطي فكراً متزناً يصور حالة مشوهة دون أن يضع مبضعه الجراحي من لفظ ساخر أو يحمل مرآة تكشف سوءات المتنفذين وأصحاب الجيوب المنتفخة على حساب الحملان .
وليس بمقدوره اختزال هم صنعه تمزق وتفرق واستعباد واستعمار وضغط يثقل على صدر الخلائق ويكتفي هو بإشارات مبهمة ونفاق خرفان لذئاب متسلطة , تلك الذئاب التي يرى مبسمها يقطر دماً من أخ له أو ابن عم أو جار بعد أو قرب .
ليس بمقدوره لا هذا ولا ذاك .
فلما رأى أن خبزه احترق وأقصي حرفه قصداً ودون قصد ,وحمل أوزار القوم وقلمت أجنحته الهائجة , قرر اللجوء للحلم .
ماأجمل الخدر
لا يطعمه
لا يسقيه
ولكنه أيضا لا يقتله ويقتل أطفاله .
هو هناك في زاوية بعيدة يقول لقلمه تعال فقد تصالح يحيى مع نفسه وعقد معها هدنة
ألا مساس..
لن تمس مناطق حمرية قانية
لن ترسف في قيودهم فحريتك لا تزعجهم .
فدغدغ رغائبه وتوقه للكتابة
بلا مساس ...
وكلما هبت رياح الحزن تحمل لواقح أمراض يعجز عن أن يئدها فيلجأ إلى مراعاة ضميره بقصص ومقالات في غرفة عمليات خاصة جداً ثم إنعاش ثم يقتل ظهورها ويخفيها في أدراجه .
لتبقى
بلا مساس .. (10 )
بلا مساس
وأيقظته يد رجا الصارخة
- كفاك شروداً وكن معي دقيقة
واعتدل في جلسته ليسمع ولكن رواد النادي من أدباء متمردين على سطوة الثلج يقتحمون المكان بضحك يلهب الجو فيشعله دفئا ً .
- آه أديبنا الكبير يحيى العمر هنا .. يا لحظنا هيا اقرأ علينا شيئا يدفء أرواحنا فقد استهلكنا من البرد فما عاد لدينا طاقة هيا يا رجل لا تتدلل علينا .
وابتسم يحيى وفتح ملفه الأخضر ليتلو(( وثيقة اعتداء))
- ماذا ؟
- وثيقة اعتداء , قال يحيى هذا عنوان مقالتي الجديدة .
- عم هذه الوثيقة ؟ عن زوجتك ؟
- لا إنها عن صحن الفول
وساد جو من الارتياح ومن ثم الضحك فانبرى أحدهم قائلاً :
- أخفتنا يا أديب ظننا أنه قد ساءت أخلاقك فصرت تتحدث في السياسة .
- السياسة ؟ ومنذ متى أتعاطاها ؟
- ألا ترى الحالة حولك ...قام أحدهم غاضبا ً : ألا ترى التردي السياسي والإقتصادي والوطني والحياة بأكملها . ألا ترى جرذاناً يعيثون في سفننا فيقرضون الخشب فيغرق شبابنا في الضلال ؟ ألا ترى اعتداءات الكل علينا فصرنا فاقدي الحس والدهشة كل ما نفعله ... إما أن نصيح داخلنا أو نحلم بسيف بتار لا وجود له .؟
ألا ترى ذلك حتى تتكلم فقط عن صحن الفول ؟
ألا تكون مرة ليبرالياً أو حتى ..
وقاطعه أحدهم قائلا ً :
- وما نفع الكلام صديقي العزيز؟ وكيف سيصل ؟ أم تريد فقط أن تعكر فنجان صديقنا الأديب بلا فائدة؟
- بل فنجانه فارغ يا صديقي كما فناجينكم كلكم . أنتم ثلة من متشدقي ثقافة لا تتقنون إلا إضاعة الوقت وحتى اجتماعكم هروباً من حال سيء إلى قعر فناجينكم الفارغة .
- وأنت قال رجا ساخراً:
- ماذا تفعل هنا ؟ أرنا بئرك المليء يا صاحبي واستوعب سفح جهلنا بقمة رأيك الثائر .. هيا اعرض لنا خطوات نبتعد عن التشدق ونملأ دلاءنا .. هيا .
- يبدو أنكم لن تفهموني كان الأجدر أن أقبع في بيتي أتدفأ بدلاً من برودة جوكم كم تمنيت أن تفهموني ..
- بل فهمناك يا صاحبي قال يحيى وقام يحيط كتفيه بذراعيه ويقوده أمام الجميع
- فهمنا أنك تريدنا أن نتكلم عن شيء هام غير صحن الفول .
والتفت الرجل متفائلاًً : نعم نعم
- حقا ياصاح يجب أن نهتم وكثيراً بما قلت . ألا ترون يا إخوان ؟؟ ألا ترون إنه يحتج على وثيقة الاعتداء أنها عن صحن الفول , لن أغضبه سأغيرها إلى وثيقة اعتداء على ...على .....صحن الحمص .
وانفجر الجميع من الضحك .. وهجم الرجل على يحيى ليضربه لينقذ ويلقى على أول مقعد في سيارة الأجرة ... (11)
- هكذا أنت يا يحيى .. هكذا أنت ساخر بكل من يهاجمك
-أكنت تريدني أن أصمت وهو يصمنا جميعا بالتفاهة ؟
- لا.. ولكن الرجل قال رأيه حتى ولو كان فظاً .
- ماذا تعني ..؟؟ أأتركه يصفنا جميعاً بأنا متشدقي ثقافة ؟
- لا بل اكتب عنه وثيقة اعتداء بدلاً من صحن الحمص
ونظرا إلى بعضهما وانفجرا ضاحكين
- إيه يا صديقي قال رجا : إنه لم يبتعد عن الحقيقة .
- نعم ولكن الحقيقة يمكن أن تقال بأسلوب أكثر حضارية وليس بالضرورة التهجم . ألا يكفي أنا مطحونون من كل من بيده سوط ويفوقنا طولاً؟ ألا يكفي هذا ؟ ونقوم نحن بعض أيدي بعض وتكسير أقلام بعض .
- يفوقنا طولاً؟؟؟؟
- تعبير فقط ..
- آه هم يفوقونا طولاً بأسواطهم ونحن نفوقهم طولاً بألسنتنا .
- لا يا صديقي , هم يفوقونا طولاً بأسواطهم ونحن نتفوق عليهم بطول ألسنتنا المبتلعة في جوفنا فهذه منة وكرم منهم حتى لا نجوع يا صديقي حتى لا نجوع ...
- حقاً .. حقاً لو أن قلمك الساخر هذا يوظف جيداً ..
- ماذا سيحدث أسيأتي بالحكمة الضالة ؟؟ أم .. أم .. أم
إنتظر قد يأتي بترياقٍ كلامي يشربه عقول بعض أصحاب دور النشر فيتهافتون على نشر قصصي .
- لا فائدة ترجى منك دوما أخرج من المناقشة خاسراً لأنك تبدأها ساخراً وتنهيها ...
- أنهيها بمر المحاولة للنسيان يا صديقي
بضحك مخنوق في قلب الحروف الحزينة .
ويضع رجا يده على كتف صديقه قائلاً :
- لا أحب التباكي وقد قلت لك قبل أن تحدث تلك العاصفة أني قد أتيتك بمفتاح ذهبي
- حقا لأي قصر ؟
- بالله لا تبدأ سخرية وإلا تركتك .
- آسف يا صديقي فأنا يجب أن أذهب لبيت أبي علي
- من هذا؟؟ أزميلنا في الأرشيف ؟
وشرح له يحيى بمرار القصة
_ إسمع صديقي الأديب
أخذت موعداً بعد المغرب رأساً مع رجل مهم سيقوم بعمل مسابقة في القصة وقد حدثته عنك ورحب كثيراً فلا تضيع الفرصة عليك إنها فرصة كبيرة لنشر فكرك أليس ذاك ما تبغي ؟
نظر يحيى نظرة عميقة لصديقه وقال له:
- وأبو علي
- هيا يا رجل سينتظر أبو علي وابنته فقد تكون هذه فاتحة لا تحتاج لها لأبي علي وقروشه الضعيفة .
وفي الطريق إلى بيت الرجل تبسم يحيى ومال على أذن صاحبه قائلاً
- أتعلم ؟ لو أني أخبر زوجتي بإضاعة قروش أبي علي ماذا سيحدث لي ؟
- ماذا ؟؟ (12)
وصمت يحيى متفكراً بمكر ..تفطن له رجا وعلم أنه سيميته حتى يقول
- تكلم يا شرير ماذا ؟؟
وضحك يحيى قائلاً :
- أبداً سأنام في قن دجاج أم خليل .
وضحكا فقال له رجا :
- أما زالت أم خليل تربي الدجاج على سطح المنزل ؟
- نعم يا صاحبي ونحن نشتم رائحة البيض المقلي دوماً من غرفة سامي وشوقي وطلعت المجاورة للقن .
- جيد فقد وجدت أم خليل سوقاً للبيض إذاً .
- نعم نعم هم يأخذون البيض رأساً من القن .
- مسكينة تعتاش من وراء ذلك .
- وهم يتغذون من وراء ذلك , وابتسم بمكر .
- ماوراء ابتسامتك ؟ ماذا ؟ ألا يدفعون لها المسكينة ؟
- بل يأخذونها بثمن مدفوع , جديد بالعملة اسمه التهديد .
- كيف ؟
- لو أنها تجرأت أن تحاسبهم فسيحرموا من البيض وتحرم هي من الدجاج ..
بشكوى بسيطة للبلدية . فوجدت أم خليل الذكية أن الحل الوحيد أن تبقي على السماح بأن تشتم رائحة البيض العزيز من دجاجها المتناثر وتعتمد أسلوب المناورة .
- كيف ؟
- تستيقظ من أوج نومها فهي تعرف متى تضع الدجاجة بيضها وتغزو على قنها في ليل بهيم وتختطف البيض قبل أن يستيقظوا...
وضحك رجا هازاً رأسه
- صراع من أجل البقاء .
- لا يا صديقي بل صراع من أجل البيض .
ووضع يحيى رأسه على نافذة السيارة الباردة وقال لرجا
- أرأيت يا رجا الموازين المختلة ؟
اعتدل رجا مهتماً فهو يعلم أن صاحبه ما أن يتألم حتى يبدع تحليلاً
- ما بها الموازين ؟
- تلك المسكينة من أجل أن تحصل على حقها تضطر للتحايل لأن القوة مع الشر المتمثل في اللصوص الثلاثة .
- لو أن من حقها إنشاء القن لما لجأت للتحايل .
- بل هو من حقها .
- كيف يا صاحبي ؟ كيف ؟ إنه مكرهة بين السكان وليس مكانه وهذا ليس حضارياً ؟
- أضحكتني .. وكأن كلمة الحضارة تقف عند أبواب وتغلق دونها أبواب . ألم أقل لك أن الموازين مختلة ؟ فلو كانت مؤمنة اجتماعيا ً , لو كان هناك من يطعمها , من يعتني بها أتراها تلجأ للدجاج ليطعمها ؟
إنها يا صاحبي في ميزان بكفة واحدة والكفة الأخرى .... غيبت حتى لا يرى زيف البشرية وظلمها وقصورها .
وتوقفت السيارة أمام باب ضخم ذهبي بحجم عمارة يحيى ..لتنهي الحديث عن أم خليل ودجاجها . (13)
وقف الصديقان حائران , المكان هائل البذخ من الخارج فكيف به من الداخل!
مال يحيى على أذن صديقه هامساً:
- ويحك يا رجا أين أتيت بنا ألا ترى هيئتي ؟ سأعود.
وتحرك يحيى يسرعة لاوياً رأسه ومطلقاً ساقيه لريح باردة ثقيلة لم تسعفه حملاً فقد قبض على ياقة معطفه صديقه مؤنباً:
- ما بك؟ هو رجل ثري, مليونير ولكنه مثقف وصاحب اتجاه متزن لديه مصالح كثيرة
منها بنك , وقناة فضائية , وجامعة أهلية وهو يحب المثقفين والأدب . هيا ..هيا إياك أن تجبن هنا فهذه فرصتك فقد يفتح لك الرجل آفاقاً أنت بحاجة لها .
- أو تظنني يا رجا من المنتفعين الذين يسيل لعابهم لمعرفة أمثال صاحبك , إنني
- هيا........ وجره رجا قبل أن يكمل موشحاته المثالية ودخلا البهو الكبير ليشعر يحيى بضآلته أمام هذا الترف ويحاول بكل ما أوتي من قوة أن يعالج موضوع الفتق في حذائه كيلا يظهر فيسدل بنطاله عليه وعبثاً تنجح المحاولات إلا إذا تسمر واقفاً.
- وهو يجيد التسمر وقوفا ويعشقه على حد قول رجا :
- أنت يا صديقي تطلب التحرك من حولك ولما تقع في دائرة الحركة تتسمر واقفاً .
- نعم قال يحيى ساخراً : ًفالحياة يا يحيى أيها الأديب المغوار هي صولة بقلمك في كل اتجاه وهي بحث عن أثير مناسب المناخ تسقط فيه مطر القلم , وإلا نُسيت وبقيت تقرأ مقالاتك لمن يضحك عليها في رواقات الأندية فقط .!!!!
هز رجا رأسه يأساً من صديقه ودخلا حيث زياد أبو الوفا صاحب القصر المشيد .
لمح زياد الصديقين يقدمان فقام بكل حفاوة للترحيب من بين الحشود المتواجدة والرؤوس المنتشرة وتقدم إليهما مبتسماً بكل كرم ماداً يديه مرحبا ً:
- أهلاً بكما في رواقي الأدبي فاليوم جميل بتواجد هذا الكم الهائل من الأدباء كم أنا سعيد بتشريفكما . ارتاح يحيى لترحيب السيد زياد وابتسم راداً التحية .
لم يكن يتوقع يحيى أن يكون شكل زياد هكذا ظنه ضخم بفمه سيجار مكتوب عليه صنع في هافانا, وبذلة فرنسية , وحذاء إيطالي , ولكنه كان قصيراً صغير الحجم يرتدي بذلة رمادية بدون ربطة عنق ولم يكن متأكداً من نوع الحذاء ...!
الجو في الرواق خانق من كثرة الدخان ولكنه دافيء جداً بسبب التدفئة المركزية وقد تحلق الكثير مجموعات مجموعات الكل يناقش ويتحدث ويدافع عن قضاياه وتناهى إلى مسمع يحيى مجموعة بجانبه لمح فيها أدباء وأصحاب دور نشر:
- أتعلمون يا إخوة إن صناعة النشر في عد تنازلي
- نعم نعم قال أحد الأدباء وهو يعدل من ربطة عنقه الحمراء فأنا أعاني من هبوط أسعار الكتب ورفض دور النشر لإنتاجي رغم تهافتهم عليها من قبل .
- الأمر عام ودولي والسبب يعود إلى تدني مستوى الثقافة
- وإلى غزو الإنترنت أيضاً .
- وإلى عدم رغبة الناس في القراءة فالجيل الذي يقرأ قد انقرض تقريبا ً.
- بل قل أصبح همه جمع المال ولقمة العيش
- ماهو الحل برأيكم ؟
- يجب أن يعود الكتاب هو الأول في ميزان الثقافة
- وكيف ؟؟ تخفيض أسعار الكتب لم ينجح كثيراً . من المسؤول عن هذا التدني يا ترى ؟؟
وابتسم يحيى في نفسه قائلاً : لا شك أنه صحن الفول , أبسط رد منه على العقول الغازية له يبحثون عنه ويقصفونه ولما يستهلكوه يصول ويجول في أدمغتهم وبطونهم يثقل فيهم حب الحركة والتفاعل .... .ويبتسم ساخراً
(14)
بطرف عينه ..كان يحيى يلمح السيد زياد أبو الوفا وهو يرقبه من بعيد أحس بنوع من التحرج لما رأى تحركاته ترصد وأحس بحرج أكثر أنه في هذا الجو الذي لم يستطع أبدا التأقلم معه .
وحتى رجا تركه ودار بين الناس كالنحلة يسلم على هذا وذاك .
جلس يحيى على أريكة في طرف الرواق ينظر من خلال نافذة كبيرة مطلة على حديقة غناء وقد لفت نظره هذا الاخضرار الغريب رغم الشتاء الذي يسلخ الطبيعة من ردائها المخضر , وكأن النباتات هنا لديها فصل آخر لا يتمشى مع عادية ما يفقه.
فاللغة المنسابة جمالاً من خلال النافذة العريضة تسلب فيه القدرة على فهم إشكاليات الثراء ومعادلته الصعبة في قاموسه المحدود .
تمنى لو أنه ينطلق في هذه الحديقة يختفي بين وريقات هذا الزمن الغريب ويحاول كتابة حروف وصل واتصال فهو في زمن مر تعلو في جنبات روحه توق إلى رفة بلا تقصف .
وكاد ينطلق وهو متسمر واقفا ً لولا أن أخرجه صوت زياد أبو الوفا من عالم الحلم التائه إلى واقع ذي ضوضاء ليس فيه صوته .
- ها أيها الأديب لقد سمعت من رجا أنك أديب لا يشق له غبار.
- كأني فارس وليس أديباً بهذا الوصف.
- أوليس الأديب فارس الكلمة !
وابتسم يحيى مؤيداً :
- بلى هو فارس على حصان خشبي .
- هذه إذا نبرة متشائمة .
- لم ؟؟ أعتقد أنها واقعية
- أمم فرك زياد ذقنه مبتسماً ولمعت عيناه
لم تعجب يحيى هذه الومضة وأحس بأن مطراً سيهطل وراء هذا البرق الخاطف بلون لا يحبه.
وقدم رجا لما رأى صديقه مع زياد
- ها يا صديقي أرأيت كم نحن محظوظون بالتعرف على السيد الوجيه زياد ؟
- نعم .. أجاب يحيى باقتضاب
أحس بكتفيه تثاقلان من عبء مديح لا يريده فابتلع بقية الكلام .
راقب زياد يحيى وهو مبتسم وبادره بالسؤال:
- ما آخر إنتاجك يا صاحبي؟؟
- لا جديد .
- لماذا؟
- أحس بعدم الجدوى فلمن أكتب؟؟ فالكتابة لا تنشر .
- آه مشكلة النشر هذه اتركها علي .. إسمع في الغد تأتيني بكل إنتاجك وأنا سأنشره لك كله وبالأسعار التي ترضيك .
مفاجيء جداً ..مفاجيء هذا العرض وكأنه انهيار ورود من أعلى الجبل على مرج أخضر لمار في طريق لم يكن مستعداً لها .
ألجمته الدهشة وأنقذه رجا قائلاً:
- يا إلهي ما أكرمك ! ألم أقل لك يا يحيى كم نحن محظوظون!!
أخذ زياد يدي يحيى الباردتين وربت عليهما وقال له :
- غداً في مثل هذا الوقت أنا بانتظارك لا تتأخر علي .. (15)
كأن الدنيا ستكشف عن جمال قريب وكالتائه جر من يده حيث غرفة الطعام
المكان صفعه موقظة من سبات .
يا إلهي ماهذه الكميات من الطعام إنها تطعم أهله سنة كاملة ونظر إلى الأنواع الغريبة والأيدي المتلاحقة تجتريء على جمالها وتعبث بسطوتها القوية على نفسه .
كان له مكان ولكنه لم يستطع أن يستغله ولا أن يمد يده الباردة لتدفأ ببعض من لهيب الطعام .
وتسمر واقفاً وتجمدت أوصاله هذه المرة ليس من مرأى المتنافسين على إعدام الأطباق ولكن كانت أمامه حلوة المذاق وولده الصغير .
ونظرة عتاب في قلبه المغمى عليه حزنا ً :
- ماذا يا أبي أستأكل هذه الأطايب دوننا ..نريد منها نريد ..وتلاحقت أصواتهم الطفلة تغطي على شراسة وقوة جوعه .
فانسحب بعيدا وخارج غرفة الطعام وأنفاسه تتلاحق ويتصبب عرقاً .
كانت دهشته لما قاله الثري المليونير أبو الوفا قد تلاشت أمام هذا الشعور المر الذي يتنامى في حلقه حتى أحس به كبحر بدوامة زبدية تلجمه .
لن يخون حزن أطفاله وسيتوحد معهم
لن يخون جوعهم وينافق معدته على حساب حرمانهم
لن يفعل ..
وبينما هو في تمرده الداخلي إذا بطبق مليء يقدم له :
- تفضل يا أديب
السيد يقدم له بنفسه طبقا ً, أحس يحيى بإحراج كبير وجلس الرجل بجانبه قائلا:
- لم تركت غرفة الطعام ؟ ألم يعجبك طعامنا ؟
- وكاد يحيى أن يخرج لسانه الساخر المبتلع داخلا ً ولكن كرم ضيفه زواه في خانة استحياء
- وأجاب متلعثما : أبدا ولكني أقصد لا شيء لا شيء وصمت فقد تدافعت الدماء لرأسه وابتدأت حالة من الاختناق تمنى لو يكسر زجاج النافذة فيسمح لحر الهواء أن يحرر نفسه المقيد ة هنا .
- عموما ًقد نجد أحياناً أنفسنا في أماكن نظن أن كل من بها ليسوا من طينتنا أو لا يتنفسون من ذات الأثير الذي نتنفسه فنحس بالاختناق أليس كذلك يا أخ يحيى؟
- بل لربما امتصوا الأثير فما تبقى لنا شيء..
- لربما ..
وقف زياد أبو الوفا واستند بيديه على يدي مقعد يحيى وأحنى ظهره حتى اقترب وجهه من يحيى الجالس وأحس يحيى بأنفاس الرجل تحيط به . شعر بالاختناق أكثر واختلط الهواء برائحة عطره ممزوجاً برائحة الطبق المملوء بالطعام فما عاد يحيى يعرف من أين تنطلق الروائح ..
واقتربت أنفاس زياد من يحيى أكثر وتمركزت عيناه على عيني الأديب ليقول له :
- عندما نحس أن المكان نقص هواؤه او امتصه أحد لا نبتعد فقد يكون الخارج أكثر شحا ً.
وغمز له بعينيه ليتركه يفكر ويفكر بكل أبعاد كلامه فيا ترى ماذا يخبيء هذا الزياد
ماذا يخبيء ليحيى . ..الأديب....... (16)
تمنى يحيى الان منقذه رجا , وضع طبقه على طاولة صغيرة أمامه ولم يتذوق منه شيئا ولو كان يملك ثمن الركوبة لبيته لغادر وسريعا .
نظر من النافذة ورأى أن الجو صحواً وأخذت نفسه تراوده أن يخرج ويعود مشياً على الأقدام غير منتظر لمقدم صديقه وهم فعلاً بالتنفيذ لولا خجله من رجا الذي اصطحبه هنا من أجله , فجلس متقوقعا على مقعده ككومة مهملة لا تدري متى تعطى صك انطلاق ونشور.
وسمع صوت صديقه مجلجلاً يضحك مع إحدى النساء فقد كانت ضحكاتها القصيرة ترن في أذنه واستدار ليراهما واقفين غير بعيد منه وأشار له رجا بالتقدم
- أعرفك إنها الأستاذة خولة علم الدين , أستاذة النحو في جامعة أبو الوفا الأهلية , ماجستير في الأدب وتحضر الدكتوراة تقول لي إن رسالتها سر ولن تبوح به فسيكون صرخة في عالم الأدب.
- أهلا بك قال يحيى بلطف متناه فقد كانت أمنيته إكمال دراسته ولكن لولا المنحة لما أكمل الجامعة الحكومية .
- هذا يا سيدتي أديبنا يحيى العمر لا شك أنك قرأت له .
ابتسم يحيى قائلاً
- قبل الاستعمار .
- كيف أجابت الأستاذة خولة ؟
- أي قبل أن يستعمر قلمي ويرسف في أغلال اللاءات كلها .
- أنا أعرف من اللااءات ثلاثا ً فهل هي ذاتها ؟
- لا يا أستاذتنا لاءات يحيى تختلف
- وهل لي أن أعرف ؟نظرت خولة دون تحفظ لوجه يحيى المبتسم فلمحت موجة من السخرية تعم شطآنه ستمتد وتمتد حتى تشبع فيه كل المرار فتتركه بنوع من الارتياح وكأنه انتقم من شيء دفين في نفسه لا يستطيع الإفصاح عنه .
- بالطبع تحمس يحيى
لا تكتب الا ما نريده
لا تكتب منطلقاً بل وأنت تلبس أسورة باهظة الثمن اسمها قيد
لا تكتب عن فلان وفلان
لا تكتب ما يغذي فالبطون ممتلئة
لا ترفض بيعا لقلمك فأنت جائع
لا تجادل .. لاتنتقد ...لا تنبه .... إلا بطريقتنا لا .........
ولم يكمل فقد أكمل عنه رجل آخر كان يسمع فقال:
- لا تكمل فما تقوله ليس صحيحا بالكلية فأنت تسخط على كل شيء والحرية طير يرفرف على الجميع .
نظر الجميع إليه ودارت بينهم نظرات ممزوجة بسحابات تحمل مطرا ثقيلاً انسكب في قلوبهم فكلام الرجل ينبيء بخطر داهم وقد تتحول الجلسة إلى ......
وأنقذ الموقف من زياد ساحباً الرجل من ذراعه حيث الثلاثة قائلاً
- أعرفكم : السيد المنتصر علي
واقترب يحيى منه قليلاً ووضع رجا يده على قلبه فهذا يعني حرب كلامية من شفاه ساخرة
لا تعرف الصمت بل ضاجة بمرار الدنيا وستسقط مخلفة ضحايا أولهم .يحيى فقد يكون هذا الرجل من سيعيد يحيى لسابق حرب كان قد كسر سيوفها . وقد ينزعج المضيف منه فيلغي عرضه الماسي .
وما أن اقترب يحيى منه حتى أدهش الجميع بقوله
- ألم تعرفني يا منتصر أنظر جيدا ً... (17)
ولوى المنتصر شفتيه
- من ؟ يحيى العمر ؟؟ لا اصدق
- كيف أنت يا صديقي ؟
وضحك المنتصرقائلاً بنبرة فيها الكثير :
- كم هي صغيرة دنيانا أوبعد هذه السنين نلتقي ؟
- حقا ........... أنادم أنت يا منتصر ؟
- ولم أندم ؟؟ فرصة أن أراك ...
وقاطعه يحيى ساخراً
- لا أعتقد انك متشوق لي ولأخباري , يا منتصر ومد الألف في يا ورفع صوته ساخراً
آه يا قلبي بدأنا قال رجا في نفسه وتدخل بينهما :
يبدو أننا أما ........واحتار فالجو المخيم لا ينم عن وفاق فاستدرك قائلاً يبدو أننا أمام معارف
- أحسنت يا رجا فالمنتصر يعرفني منذ كنا في القرية نلعب في الطين ووراء حمار أبي عطية , كان المنتصر يبيع لنا الترمس الذي تصنعه .........وقاطعه زياد قائلاً :
- هيا يا جماعة تعالوا لنسمع قليلاً من أدب يحيى وفطن يحيى لكلمتي ((أدب يحيى)) وكأنه تنبيه أن تنبه يا أديب واحفظ لسانك
- هيا يا يحيى اقرأ لنا آخر ما كتبتْ
هيا وجره من أمام الملتهب المنتصر الذي أحس الجميع ببداية انهزام لأوداجه فانخفضت وانسحب وكرشه المليء يجلس بعيداً معلناً هدنة قسرية مقموعة من صاحب القصر المشيد .
حان موعد صلاة العشاء يا سيد زياد فسأصلي أولاً
ونظر حوله ودله زياد على مكان الصلاة ليختفي يحيى فينتهزها المنتصر فرصة ويقول :
- هل أصبح يحيى أديبا ؟؟ وضحك ماداً ذراعيه علامة الاستنكار .
- لا لم يصبح يا سيد منتصر فهو منذ ولد أديباً أجابه رجا ببرود.
- ما الأمر يبدو أننا سنشهد حرباً كلامية والأمسية الأدبية ستتحول لتصفية حسابات تدخلت خولة هامسة لرجا .
- هكذا يحيى ما أن يحل بمكان حتى يشعله نارا .
- وقد يكون نوراً أجابته خولة ونظرت إلى البعيد حيث ذهب يحيى يصلي مع بعض الحضور .
أعجبها التزامه في الصلاة وما أن أطل عليها حتى راودها شعور عجيب تجاهه فأسرت لرجا طلباً بأن تحصل على مؤلفاته كلها المعلن عنها والمخفي ..
- أما المخفي فلا أدري ..
وقدم يحيى بهدوء وسكينة جلس على مقعد بجوار رجا ووضع يده في جيبه وكأنه يسترجع نفساً كانت ورجعها مؤلم , فما نفع المهاترة مع أمثال المنتصر فالرجع أنين لا يرف بأنداء ولا يورف بظلال بل ينجب عقم حالة .
اما المنتصر فسينتصر لنفسه فقد تعمد يحيى إبراز ماضيه الفقير لتكون له اليد العليا ولكنه كجمل حمل هم صحراء بشوكها في جوفه فقرر الصبر والضربة حين تكون الفرصة متاحة .
ونظراته ليحيى كانت مفهومة للأخير فكره نفسه , لم يجرها إلى مثل هذا المنزلق الأسن ؟
أحس ببرودة في قدميه تسري لترتفع وتعلن موته في لحظات الغير وضجيجهم .
فحلق بعيدا منقذاً نفسه من كره لحظة لعشق تهارب .
|